أدب

  حكمة القرآن والبرهان

  حكمة القرآن والبرهان

  حكمة القرآن والبرهان

بقلم / محمـــد الدكـــروري

  حكمة القرآن والبرهان
ذكرت المصادر التاريخية الإسلامية الكثير عن الإمام فخر الدين الرازي، هو أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين بن علي الرازي، وقيل إنه من إبراز حكمة القرآن والبرهان على سموها وأمن مسلكها أقام فخر الدين الرازي تفسيره الكبير، كانت الطريقة المثلى في نظره، لإدراك ما في القرآن من أسرار حكيمة، وبث ما تضمنه من مطالب فلسفية وعلوم طبيعية، وإنما هي طريقته الكلامية المختارة المتبعة لمنهج الغزالي، وإمام الحرمين والباقلاني وأبي اسحق الإسفراييني، والإمام أبي الحسن الأشعري، فلذلك كان يرى أن الطريقة الأخرى، وهي طريقة المعتزلة هي التي عطلت القرآن عن أن يفيض على الناس غيوثه الحكيمة وأن المعتزلة لما آمنوا بالحكمة اليونانية حجبوا عن الوصول إلى أسرار القرآن.
فأصبح مبلغهم من التفسير، تحقيق أعاريبه، وتحليل تراكيبه، وبيان ما اشتمل عليه من بديع النكت، وبليغ الأساليب، على نحو أبرز عليه الزمخشري تفسيره الكشاف، وقبله أبو اسحاق الزجاج ثم الشريف المرتضي، فاستقر حكمه أخيرا على أنه ما دام المعتزلة مستحوزين على طريقة التفسير النظري، وما دام أسلوبهم مسيطرا عليه، فإن القرآن لا يزال محجوبا عن أفكار أهل المدارك الحكيمة، تحول بينهم وبين لبه بحوث في القشور النحوية، وتقارير للقوالب البلاغية، هنالك ناشد نفسه وناشد الناس، أن يغوصوا على منابع القرآن ليفجروا منها سيولا فياضة يستطيعون أن يغترفوا منها حكمة صافية هي روح الهداية التي جاء القرآن ينير بها العقول، ويشرح لها الصدور.
ولبيان أن شغل الناس بقضايا إعرابية أو بلاغية أو كلامية حجب الناس فعلا عن حسن تدبر القرآن والاستنباط من كنوزه، أقدم على تصنيف كتاب في تفسير الفاتحة، وأخذ مثلا لاثبات ما قال من قوله تعالى “رب العالمين” فبين أن العالم الذي ضبطت أحواله المعارف الإنسانية ليس هو كل الوجود، لأن الخلاء الذي لا نهاية له خارج هذا العالم، صالح لأن يشتمل على الآلاف من العوالم الأخرى وأن يحصل في كل واحد من تلك العوالم، مثل ما حصل في عالمنا هذا وأعظم وأجسم من ذلك وإن الإنسان لو ترك تلك العوالم واقتصر على أن يحيط علمه من هذا العالم فقط، بعجائب المعادن، واقتصر على أن عجائب أحوال النبات، وعجائب أقسام الحيوانات لنفذ عمره في أقل القليل من هذه المطالب.
فلا ينتهي إلى غورها، مع أن ذلك كله بعض قليل مما يندرج تحت قوله “رب العالمين” وانتهى من هذه البراهين التمهيدية إلى أن سورة الفاتحة مشتملة على مباحث لا نهاية لها، وأن القول بأن تلك المباحث عشرة آلاف، ليس إلا من قبيل التقريب لأفهام السامعين، لأنها فوق ذلك بكثير وبعد تأصيل تلك القواعد المبدئية، تناول سورة الفاتحة، مبتدئا بتفسير الاستعاذة والبسملة ومتتبعا السورة بالتحليل وتقليب الأوجه، وبيان معاقد المعاني وطرق استنباطها، حتى أخرج في تفسير سورة الفاتحة وحدها كتابا جليلا، وبالانتهاء من هذا الكتاب المخصوص بسورة الفاتحة، شرع في تأليف كتاب آخر في تفسير سورة البقرة، على تلك الطريقة نفسها، ثم اطرد ينتقل من سورة إلى سورة على ترتيب المصحف الشريف.
جاعلا تفسير كل سورة كتابا مستقلا، وسائرا في تفسير السور كلها على المنهج الذي وضعه في تفسير سورة الفاتحة، وكأنه استغنى بالمقدمات التي مهد بها لتفسير سورة الفاتحة عن العود إلى بيان منهجي فكان يتناول كل سورة افتراعا، مبتدئا ببيان الفوائد المستنبطة من أول كلام فيها، غير أنه في أثناء سورة الأعراف، لما بين تفسير قوله تعالى “يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره” لما تكلم على حركة الأفلاك وصورها ومدى حركات الكواكب الثابتة، واستشعر استغراب المطالع جلب تلك المسائل المغرقة في علم الهيئة والفلك، فوقع له أن عاد إلى التنويه بمنهجه، والتعريض بأصحاب التفاسير الآخرين، بكلام لو وضع في أول الكتاب لكان أبلغ مقدمة له، ببيان منهجه وغايته.
حيث قال “ربما جاء بعض الجهال والحمقى، وقال إنك أكثرت في تفسير كتاب الله تعالى من علم الهيئة والنجوم، وذلك على خلاف المعتاد فيقال لهذا المسكين “إنك لو تأملت في كتاب الله حق التأمل لعرفت فساد ما ذكرته”

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى